ابو القاسم عبد الكريم القشيري
10
لطائف الإشارات
كيف يكون المفلس من عرفانه كالمخلص في إيمانه ؟ وكيف يكون المحجوب عن شهوده كالمستهلك في وجوده ؟ كيف يكون من يقول « أنا » كمن يقول « أنت » ؟ وأنشدوا : وأحبابنا شتان : واف وناقص * ولا يستوى قطّ محبّ وباغض قوله : « فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ » ، إن تمسّكوا بحبل « 1 » وفائنا أحللناهم ولاءنا ، وإن زاغوا عن عهدنا أبليناهم بصدّنا ، ثم لم يربحوا في بعدنا . « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ » : المتّقى الذي يستحق محبة من يتّقى ؛ وذلك حين يتقى محبّة نفسه ، وذلك بترك حظه والقيام بحقّ ربّه . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 8 ] كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ( 8 ) وصفهم بلؤم الطبع فقال : كيف يكونون محافظين على عهودهم مع ما أضمروه لكم من سوء الرضاء ؟ فلو ظفروا بكم واستولوا عليكم لم يراعوا لكم حرمة ، ولم يحفظوا لكم قرابة أو ذمّة . وفي هذا إشارة إلى أنّ الكريم إذا ظفر غفر ، وإذا قدر ما غدر ، فيما أسرّ وجهر . قوله « يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ » أي لا عجب من طبعهم ؛ فإنهم في حقّنا كذلك يفعلون : يظهرون لباس الإيمان ويضمرون الكفر . وإنهم لذلك يعيشون معكم في زىّ الوفاق ، ويستبطنون عين الشّقاق وسوء النّفاق . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 9 ] اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 9 )
--> ( 1 ) وردت ( لجبل ) وهي خطأ في النسخ .